أحمد بن عبد الله الطبري ( المحب الطبري )

135

الرياض النضرة في مناقب العشرة

مرتبة أبي بكر من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم في إيثار الأولى في حقه ومكانته منه ومنزلته عنده المعلومة المشهورة التي لا يوازنها ، مكانة ، ولا يضاهيها مرتبة ، حتى اتصف بأحب القوم إليه وألزمهم عنده ، واختص منه بخصائص لم يشاركه فيها غيره على ما تقدم تقريره في مناقبه ، وذلك لا يناسب تخصيصه بالأدنى مع علمه برسوخ قدمه في الزهد والرغبة فيما عند اللّه تعالى ، وإنما كان ذلك واللّه أعلم تنبيها على أفضليته المقتضية اقامه مقام نفسه ، ولذلك صرف الأمور كلها إليه ابتداء ثم خص عليا بأمر التبليغ لما ذكرناه فكان صرف إمرة الحج إلى أبي بكر لاختصاصه بقيام المقتضى لها لا لأمر آخر وراء ذلك . الوجه الثاني : لا نسلم أن هذا الأمر من الدنيا في شيء ، بل هو محض عبادة كالصلاة والأمير فيها كإمام الصلاة وخطيب الجمعة ولا يقال في شيء من ذلك دنيا ، وكيف يصح أن يقال فيه دنيا وعلى رضي اللّه عنه يقول : يا دنيا غري غيري طلقتك ثلاثا بتاتا . وقد تولى الخلافة العظمى فلو اعتقد أن ما قام فيه محض عبادة للّه تعالى لا دنيا فيه لما صح هذا القول ولا شك في صحته وفي أن قدمه في الزهد في الدنيا من أرسخ الأقدام ومباينته لها مشهور بين الأنام ثابت عند العلماء الأعلام ، نعم تصير هذه الأمور دنيا إذا نوى بها الترفع على أبناء جنسه وأقام جاهه وعلو شأنه ونحو ذلك ، وأعاذ اللّه أبا بكر وعليا وواحدا من الصحابة من ذلك وأعاذنا اللّه من اعتقاد ذلك فيهم بل قام واللّه أعلم أبو بكر فيما أقامه النبي صلّى اللّه عليه وسلم من إمرته فيه عبدا للّه مؤديا مناسكه ممتثلا أمر نبيه في نصب نفسه إماما يقتدى به تعبدا للّه وتقربا إليه ليس إلا ، وكذلك قيامه في خلافته وجميع أموره ، وقام علي في المواطن التي أمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم فيها وفي خلافته كذلك ، وهكذا كل منهم رضوان اللّه عليهم أجمعين . والوجه الثالث : سلمنا أن فيها شائبة دنيا لكنها مغمورة مضمحلة بالنسبة إلى ما فيها من التعبد والقربة إلى اللّه تعالى ، إذ في ذلك إقامة منار